ابن حزم
137
رسائل ابن حزم الأندلسي
والمركب كله ينقسم أقساما خمسة لا سادس لها وهي : إما خبر وإما استخبار ، - وهو الاستفهام - وإما نداء وإما رغبة وإما أمر . فهذه الأربعة منها لا يقع فيها صدق ولا كذب ، ولا يقوم منها برهان أول « 1 » على من ينكر وجوب الأمر ، وأما بعد وجوب قبول الأمر بخبر يوجبه أو باتفاق من الخصمين فالأمر حينئذ مبرهن على صحة وجوبه ، وليس برهانا ؛ وقد ينطوي في الأمر خبر ، وذلك أن قول القائل : افعل كذا ، ينطوي فيه أنك ملزم أن تفعل كذا . وأما النهي فهو نوع من أنواع الأمر ، لأنه أمر بالتّرك . وكذلك ينطوي في الطلبة ، وهي الرغبة ، إخبار بأن الراغب يريد الشيء المرغوب فيه ، ولا تظن أن قولك آمرا : قم ، أنه اسم مفرد ، فذلك ظن فاسد ، بل هو مركب لأن معناه « قم أنت » . وكذلك قولك مخبرا عن غائب : قام ، إنما معناه « 2 » « قام هو » ، ولو انفرد في حقيقة المعنى دون ضمير ، لما تمّ ولكان ناقصا فاعلمه . وكذلك قولك مستفهما : أقام ؟ أي هل قام هو . وأما إذا خرجت الرغبة على غير وجهها ، فإن الكذب قد يدخل فيها ، كمن قال وهو صحيح : اللهم أصحّني ، وإنما الحق أن يقول : اللهم أدم صحتي . وكذلك الاستفهام ، إذا ما « 3 » استفهم عن باطل فهو باطل ، كسائل سأل : لم اشتدّ الحرّ في الشتاء ؟ وأما الخبر ففيه يدخل الصدق والكذب ، وفيه تقع الضرورة والإقناع ، وفي فاسد البنية منه يقع الشغب ، ومن صحيحه يقوم البرهان على كل قضية في العالم ، وإياه قصد الأوائل والمتأخرون بالقول ، وتحته تدخل جميع الشرائع ، وكل مؤات « 4 » من الطبيعيات وغيرها اتفق الناس عليه أو اختلفوا فيه . وهو يصح بوجوه : أحدها أن يكون معلوما صحته بأول العقل أو بالحواس ، ومنها ما يصح ببرهان يقوم على صحته من مقدمات تنتج نتائج على ما يقع في هذا
--> ( 1 ) م : أولي . ( 2 ) قام إنما معناه : سقط من س . ( 3 ) ما : من م . ( 4 ) س : مواتي ، وفوقها علامة خطأ ؛ م : رأي .